سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

56

رسائل في الفلسفة والعرفان

واردةلا تستبعد أنّ المعلول شأن من شؤون علّته ، فإنّك تغفل عن كون البيت شأناً لأجزائه واعتباراً من اعتباراتها ، والشجرة طور الحبّة وشأن من شؤونها ، والأمواج طور للبحر وشأن من شؤونه ، وهكذا جميع الأُمور ، والعجب للمتكلّمين والحكماء المقلّدين ( لما عجزوا عن الارتقاء إلى درجة الكمال كيف اتخذوا الأعدام سُلّماً لتطلع الحقيقة ) [ 1 ] ، ويزعمون أنّ هذا تنزيه لحضرته ، ولكن نحن نقول ليس وجود إلّا وجوده ولا وصف إلّا وصفه ، فهو الموجود وغيره المعدوم . قال الأُمراء الأوّلون رضي اللَّه عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ : « ما رأيت شيئاً إلّارأيت اللَّه قبله أو بعده أو فيه أو معه » . كلّ واحد ينسب إلى واحد منهم ، ولا يقعن في وهمك أنّ هذا قول بالحلول ، فإنّ الحلول إنّما يكون بين وجودين : أحدهما حالّ في الآخر ، ونحن نقول : لا وجود إلّاوجوده . تنبيه‌أظنّك في هذه الكلمات تحقّقت : بأنّ هذا الواجب واحد ؛ إذ لو كان واجبان لكان كلّ منهما ممتازاً عن الآخر ، وإلّا كان عينه ، وامتيازه إنّما يكون بقيد ليس في الآخر ، فيكون مقيّداً ، فيكون ممكناً هذا خُلْف . وقد يستدلّ على استحالة تعدّد الوجود مطلقاً ، وأنه ليس إلّاوجود واحد : بأنه لو كان هناك وجودات : فإمّا لا امتياز بينهما ، فيلزم كون الاثنين واحداً . هذا خُلْف .

--> [ 1 ] في الأصل : « كيف ركبّوا الإله له من جميع القيود العدميّة » ، والأصحّ ما أثبتناه من نسخة أخرى .